تاريخ سبتة ومليلية من العصور القديمة إلى اليوم: الأدلة والشواهد الوثائقية


سبتة ومليلية المغربيتان
سبتة ومليلية


سبتة ومليلية من فجر التاريخ إلى اليوم: السجل الكامل للتحولات الجيوسياسية والأدلة التاريخية


تُشكل مدينتا سبتة ومليلية على الساحل الشمالي لإفريقيا نقطة تقاطع استراتيجية بين القارتين الإفريقية والأوروبية. وعلى مر العصور، لم تكن المدينتان مجرد ثغور ساحلية، بل مثّلتا مراكز ثقل تجاري وعسكري صاغت تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط.


1. العصور القديمة: التأسيس الفينيقي والعهد الروماني


يعود التاريخ العمراني والتجاري لسبتة ومليلية إلى القرن السابع قبل الميلاد، حيث شَكّل البحر المتوسط مسرحاً لنشاط الملاحة الفينيقية.

* سبتة:
أسسها الفينيقيون كمرفأ تجاري تحت اسم أبيلا. وعقب الخضوع للسيطرة الرومانية، أُطلق عليها اسم سيبتيم فراتريس إشارةً إلى التلال السبع المحيطة بها، وهو الاسم الذي تحوّل لغوياً عبر العصور إلى سبتة.
* مليلية: تأسست كمركز تجاري فينيقي يُدعى روسادير، واستمرت بالاسم نفسه خلال العهدين القرطاجي والروماني.


الأدلة الشاهدة:


* المسكوكات الأثرية: اكتشاف قطع نقدية رومانية وفينيقية تحمل اسم روسادير، والمحفوظة في المتحف الأثري الوطني بمدريد ومتاحف منطقة الريف.

* الآثار الميدانية: بقايا المصانع الفينيقية لتمليح الأسماك والأسوار الرومانية المكتشفة أسفل الأحياء التاريخية في المدينتين.

2. الحقبة الإسلامية: الانطلاق نحو الأندلس وحكم الإمبراطوريات المغربية


مع الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي، أصبحت سبتة ومليلية معبرين أساسيين للربط بين العدوتين المغرب والأندلس.

* الفتح الإسلامي في عام 711 ميلادية:
مثّلت سبتة نقطة الانطلاق الرئيسية للحملات العسكرية ونقل القوات تحت قيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير.

* الدولتان المرابطية والموحدية: شهدت المدينتان ازدهاراً معمارياً واقتصادياً كبيراً، وحُوّلتا إلى قواعد لبناء الأسطول البحري وحماية الثغور المغربية.

الأدلة والشواهد النصية:


* المخطوطات الجغرافية: يوثق الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق الأهمية التجارية لسبتة ومليلية، واصفاً إياهما بأهم المراكز البحرية للشمال المغربي.

* المعالم المعمارية: بقايا الحمامات العربية والحصون الموحدية المكتشفة داخل النواة القديمة للمدينتين.

3. الاحتلال الإيبيري والتحول في موازين القوى خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر


تزامن سقوط المدينتين مع التحولات الكبرى التي شهدها شبه الجزيرة الإيبيرية نهاية القرن الخامس عشر:

بالنسبة لمدينة سبتة، فقد سقطت عام 1415 ميلادية تحت سيطرة المملكة البرتغالية عقب احتلالها من طرف القوات البرتغالية بقيادة الملك جون الأول، ثم انتقلت لاحقاً إلى السيادة الإسبانية عام 1640 ميلادية بعد تفكك الاتحاد الإيبيري.

أما مدينة مليلية، فقد سقطت عام 1497 ميلادية تحت سيطرة مملكة قشتالة بعد أن استولى عليها الأسطول الإسباني بقيادة دون خوان ألفونسو غوثمان، وذلك عقب سقوط غرناطة عام 1492 ميلادية وتراجع نفوذ الدولة الوطاسية.

الأدلة والوثائق التاريخية:


* معاهدة تورديسيلاس عام 1494 ميلادية: معاهدة بين إسبانيا والبرتغال لتقاسم مناطق النفوذ البحرية، والتي نصت صراحة على القواعد المنظمة للحضور البرتغالي في سبتة والقشتالي في مليلية.

* أرشيف سيمانكاس: يتضمن المراسلات الملكية والخطط العسكرية الأولى لبناء الجدران الدفاعية حول الثغرين.

4. محاولات الاسترداد والحصار المغربي


شهد العصر الحديث محاولات متكررة من السلاطين المغاربة لاستعادة المدينتين عبر محاصرة الأسوار وإقامة الخطوط الدفاعية:

* حصار سبتة الأكبر الممتد من عام 1694 إلى 1727 ميلادية: فرض السلطان مولاي إسماعيل حصاراً استمر لأكثر من ثلاثة عقود، شُيدت خلاله حصون مغربية محاذية لأسوار المدينة.

* حصار مليلية من عام 1774 إلى 1775 ميلادية: محاولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله استعادة مليلية عبر قصف مدفعي وحصار بري مكثف.


الأدلة والوثائق:


* معاهدة أرانخويث عام 1780 ميلادية: المعاهدة الموقعة بين المغرب وإسبانيا لتحديد الحدود الميدانية وتنظيم التجارة البحرية عقب فك الحصار.


5. حرب تطوان وتثبيت الحدود الحالية الممتدة من عام 1859 إلى 1860 ميلادية


أدت التوترات الحدودية بين القبائل المتاخمة وإسبانيا إلى اندلاع حرب تطوان، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية صاغت الحدود الحالية للمدينتين.

الدليل القانوني:

* معاهدة واد راس عام 1860 ميلادية: نصت على توسيع نطاق الحدود الأمنية والعسكرية لسبتة ومليلية لتصل إلى المسافة التي تبلغها رمية المدفعية الإسبانية آنذاك، وهي الأبعاد التي تُشكل الأسس الترابية للحدود الفاصلة في الوقت الحاضر.

توثيق اسمي سبتة ومليلية في المصادر المكتوبة يمتد عبر مؤلفات جغرافية وتاريخية ورحلات مغربية وعربية وغربية.


أبرز الجغرافيين والمؤرخين والرحالة الذين أفردوا ذكراً وتفصيلاً للمدينتين في مؤلفاتهم:



1. الجغرافيون والرحالة المسلمون


* **الشريف الإدريسي** – *كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"*:

قَدّم وصفاً دقيقاً لسبتة ومليلية، وتحدث عن مرساهما، وصناعة السفن، والنشاط التجاري والزراعي المحيط بهما.

* **ابن حوقل** – *كتاب "صورة الأرض"*:
تطرق إلى موقع سبتة ومليلية ضمن جغرافية المغرب الأقصى وأهميتهما البحرية في الاتصال بالأندلس.

* **الأكريسي / أبو عبيد البكري** – *كتاب "المسالك والممالك"*:

وصف الجغرافيا الطبيعية للمدينتين، والقبائل المحيطة بهما، والطرق البحرية والبرية المؤدية إليهما.

* **ابن بطوطة** – *كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"*:

زار سبتة وكتب عن علمائها وموقعها الاستراتيجي قبل توجهه إلى الأندلس والمشرق.

* **ابن خلدون** – *كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر"*:

وثّق الدور السياسي والعسكري لسبتة ومليلية في صراع الدول المغربية (المرينيين والموحدين) مع ممالك إيبيريا.



**2. مؤرخو ورحالة المغرب والعصر الحديث**


* **الحسن الوزان (ليون الإفريقي)** – *كتاب "وصف إفريقيا"*:

قدم وصفاً تفصيلياً لسبتة ومليلية قبل وبعد الاحتلال الإيبيري، مفصلاً أحوالهما الاقتصادية والمعمارية وسكانهما.

* **أبو القاسم الزياني** – *كتاب "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور براً وبحراً"*:

تطرق للحملات العسكرية المغربية وحصار السلاطين المغاربة للثغور المحتلة.

* **أحمد بن خالد الناصري** – *كتاب "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"*:

يُعد من أهم المصادر المغربية التي أفردت مجلدات لمتابعة معاهدات وحروب سبتة ومليلية، مثل حصار مولاي إسماعيل وحرب تطوان.



**3. المؤرخون والجغرافيون الغربيون واللاتين**


* **بليمي الأكبر (Pliny the Elder)**
– *كتاب "التاريخ الطبيعي" (Naturalis Historia)*:

ذَكَر مليلية باسمها القديم *روسادير* (Rusadir) وسبتة باسم *سيبتيم فراتريس* (Septem Fratres) ضمن أقاليم موريتانيا الطنجية.

* **بطليموس (Ptolemy)** – *كتاب "الجغرافيا"*:
حدد الإحداثيات الجغرافية لسبتة ومليلية في الخرائط الرومانية القديمة.

* **مارمول كربخال (Marmol Carvajal)** – *كتاب "إفريقيا" (Descripción general de África)*:

مؤرخ إسباني وثّق الحصون والأسوار وحجم التواجد العسكري في سبتة ومليلية خلال القرن السادس عشر.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شريان المغرب الكبير الجديد: كيف يغير الطريق الرابط بين تيندوف وزويرات وميناء الداخلة وجه التجارة في 2026؟

"مونديال 2030": كيف يحول حلم الكرة "المغرب" إلى ورشة بناء عملاقة في 2026؟

بين طموح الشباب وعقبات الواقع: هل تنجح تونس والجزائر في إنقاذ اقتصادهما عبر البوابة الرقمية في 2026؟